القاضي النعمان المغربي

47

تأويل الدعائم

الحق مرتفعا ومنحطّا كما يكون كذلك في الظاهر الميت المنقول عن الدنيا إلى الآخرة وقد ينقل إلى خير وقد ينقل إلى شر ، وذكرنا في كتاب الطهارة في تأويل غسل الميت مثل ذلك وأن الموت في الباطن مثله مثل الكفر ، وأوضحنا في باب الجنائز ما هذا معنى ذلك في كلام طويل وأن الموت موتان موت قبل الحياة كما كان الإنسان قبل أن يخلق مواتا ومثل ذلك مثل الكفر وموت بعد الخلق ومثله مثل النفاق في وجه ومثل النقلة في وجه ، والنفاق كفر وقد قال بذلك بعض العامة ودفعه آخرون منهم فقالوا الكفر شيء والنفاق شيء ولا يطلق على المنافقين ، قالوا اسم الكفر وأغفلوا أن اللّه جل وعز قد أطلق ذلك في كتابه عليهم وألزمهم إياه فقال جل من قائل : « إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول اللّه واللّه يعلم إنك لرسوله واللّه يشهد إن المنافقين لكاذبون » ؛ يعنى أنهم كذبوا على اعتقادهم فقالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم . ثم قال : اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل اللّه إنهم ساء ما كانوا يعملون ، ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون » . فأخبر جل من مخبر أنهم قد كفروا بنفاقهم بقلوبهم وإن كانوا لم يظهروا ذلك بألسنتهم ، وكذلك يكون في الباطن من قصر عن أعمال أهل الدرجة التي هو فيها أو أحدث حدثا أو اقترف ما يوجب حطه عنها بقدر ما يوجبه ذلك من فعله وكان مثل ذلك مثل الموت في الظاهر لأنه نقلة من حال إلى حال على سبيل ما قدمنا ذكره ، ويتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه كان يقول في الصلاة على الطفل : اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا ، فهذا فيما ينبغي أن يقال في الصلاة على الطفل في موضع الدعاء للبالغ ، وتأويل ذلك في الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الطفل في الظاهر مثل المستجيب في الباطن إلى دعوة الحق المأخوذ عليه عهدها ما لم يبلغ إلى حد الإذن له في الكلام بما يلقى إليه من الحكمة فيها ، وهو على ذلك ينقل فيها من حد إلى حد في ترتيب المفاتحة بالحكمة فإذا نقل في ذلك من حد إلى حد فهو كذلك سلف وفرط لمن ينقله وله أجر ذلك على ما يتولى منه ، ويتلوه قوله صلوات اللّه عليه أنه قال : إذا فرغت من الصلاة على الميت انصرفت بتسليم فهذا في الظاهر كذلك يكون الانصراف من الصلاة على الميت في الظاهر بتسليم ، كما ينصرف من الصلاة وقد ذكرنا فيما تقدم أن تأويل التسليم